الشيخ محمد مهدي شمس الدين
24
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
وهذا ما وقع فيه إنسان الحضارة الحديثة ، والويل له مما صنعت يداه في المقبلات من الأيام . * وقد ولدت هاتان النظرتان المتطرفتان إلى التاريخ وإلى المستقبل مفهوما للتقدم البشري غير متكامل ومن ثم دافع بالإنسان إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء الكبرى في شأن نفسه وفي شأن عالمه . لقد اعتبر التقدم في الحضارة الحديثة بالمقياس المادي وحده . فيقاس التقدم في أي مجتمع وفي ظل أي نظام سياسي بحجم الإنتاج والاستهلاك بالنسبة إلى أشياء الحياة المادية : الطعام ، والملابس والمساكن وأدوات الزينة ، ووسائل النقل والطاقة والطرق ، ووسائل اللهو ووسائل تيسير الحياة اليومية المنزلية وغيرها ، والمصانع والأسلحة وما إلى ذلك من أشياء ، يضاف إلى ذلك المؤسسات الحكومية والأهلية التي تنظم كل هذه العمليات . . ولا يقيم هذا المفهوم عن التقدم البشري وزنا لوضعية الإنسان الأخلاقية وللقيم التي ينبغي أن توجه سلوكه مع الطبيعة المادية ، والعالم ، والمجتمع والأسرة . وهذا المفهوم هو الدليل الذي يوجه أفكار وخطط وعمليات المؤسسات الوطنية والدولية المعنية بقضايا التنمية ، فالوكالات المتخصصة للأمم المتحدة ، والجامعات ، ومراكز الأبحاث الدولية والوطنية تعتبر حركة التقدم والنمو بهذا المقياس . وكانت عاقبة ذلك تقدما مذهلا في مجال الماديات . . . تقدما تجاوز أكثر الأحلام جموحا في بداية النهضة الصناعية الحديثة . ولكنه تقدم ترافق مع تأخر مأساوي في مجال المعنويات بدأت بعض البصائر المستقبلية في العالم الغربي و ( الشرقي ؟ ؟ ) تكتشفه وتعي خطورته ، وتحذر من عواقبه الوخيمة . وعلى ضوء هذا المفهوم للتقدم قسم الجنس البشري في الخمسينات من هذا القرن الميلادي إلى عوالم ثلاثة : العالم الأول : ( أمريكا الشمالية ، وأوربا الغربية ، واليابان ) بلغ أعلى مستوى